التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصبر على المكاره والأذى



بسم الله الرحمن الرحيم 



‌أ- حقيقة الصبر وأنواعه:

الصبر خُلُق من أخلاق النفس الفاضلة، وقوة من قواها التي بها صلاحها، وقوام أمرها في العاجل والآجل. وأصله: الحبس،


وله معنيان: أحدهما لغوي: وهو حبس النفس عن الجزع والجهل والسفه، ونحو ذلك مما لا تليق نسبته إلى العاقل.

ثانيهما: ديني شرعي: وهو حبس النفس على موافقة الشرع، وترك ما يخالفه من الأقوال والأعمال والأحوال على وجه التقرب إلى الله تعالى، رغبةً في ثواب الله تعالى، وحذرًا من عقابه، وهو أنواع:

فالأول: صبر على ما أمر الله تعالى به من الطاعات: مع ما قد يلحق العبد من مشقة بعض العبادات لتكرارها كالصلاة، أو لمشقة بذلها على النفس كالزكاة، أو لكلفة مباشرتها كالصيام، أو إيذاء الناس للشخص بسببها كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لخطر على البدن أو النفس كالحج والجهاد في سبيل الله. 


قال تعالى في الدعوة إلى التوحيد والنذارة من الشرك: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾، وقال تعالى بشأن الصلاة: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾، قال تعالى في قصة لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾، وأمر بالصبر في الجهاد ومصابرة الأعداء، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.


فالصبر على امتثال المأمورات وأداء العبادات على أكمل الوجوه المستطاعة وأحسنها، والاستمرار على ذلك مدة الحياة، وعدم الإخلال بشيء منها. وهكذا المصابرة والمرابطة للأعداء، والتقوى في جميع الأمور والأحوال من أسباب النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.


الثاني: صبر عما نهى الله عنه من المحرمات وأنواع المنكرات وظلم البريات، ونهي النفس عن الهوى والوقوع في الشبهات، كلُّ ذلك من جليل وعظيم العبادات وأسباب وراثة الجنات، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾. 


والصبر على الطاعات أكمل وأنفع للنفس من الصبر عن المحرمات ـ وفي كلًّ خير، وكلاهما خُلق حسن، وعمل صالح ـ، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الله وأنفع للعبد من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره عنده من مفسدة وجود المعصية وارتكابها، ولكن كل ما نهى الله عنه فإنما نهى عنه لرجحان مفسدته وتحقق مضرته، ولتحقيق كمال ضده، فيجب تركه وتوطين النفس على الصبر عنه والبعد عن أسبابه ومظانه وأهله، فإنه من تحقيق التقوى وخصال أولي النهي.


الثالث: الصبر على المصائب المؤلمة والحوادث الموجعة: من مرض أو جوع أو فقد قريب أو فوات حبيب أو خسارة مال، قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾، وثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها»، وعن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وَصَب، ولا هَم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من يُردِ الله به خيرًا يصب منه»، فهذا النوع من الصبر كفارة، ومع الاحتساب فيه فهو من أسباب الفلاح وربح التجارة.


الرابع: الصبر على الأهواء المضلة: بالإعراض عن الشبهات، والحذر من دعاة الضلالات، قال تعالى: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾، وقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.



وذلك لأن هذا الصنف المبطل يزخرف باطله بما يجعله مقبولًا عند بعض الناس، وقد يستدل بنصوص من الوحيين بما يُشبِّه به على بعض الناس، لأن الدليل حقُّ ولكن الاستدلال باطل. 


وعامة الناس وجملة ممن ينتسب إلى العلم يَلفتُ نظره الدليل ولا يدرك بطلان الاستدلال، فعند استماع هؤلاء إلى أهل الباطل والضلال قد تنفذ الشبهات إلى قلوبهم، فتسبب شكهم وحيرتهم وزهدهم في الحق، وتأثرهم بالباطل، ولذا نهى الله تعالى عن مجالسة المبطلين، وأمر بالإعراض عن الجاهلين، وحذر من شبهات المضللين المضلين، ومجادلتهم المفتونين لما في مجالسة هؤلاء، والإصغاء إليهم من الضرر المطلق والهلاك المحقق.


‌ب- حاجة الدعاة إلى الصبر:

يحتاج الداعية إلى الله تعالى إلى أنواع الصبر كلها، فلا غنى به عنها، فإنها كلها تجتمع له في دعوته، ولها أثرها العظيم في نجاح مهمته، وهي من أعظم عدته، فحاجته إليها شديدة، فإنه يحتاج إلى:


1- الصبر على القيام بواجب الدعوة: امتثالًا لأمر الله تعالى، وعبادة له، ورغبة فيما وعد الله به الدعاة إلى سبيله من الثواب العظيم، والأجر الكريم في الدنيا والآخرة، وحذرًا من عقوبة الله للمفرطين في العاجلة والآجلة.


2- الصبر عن داعية النفس إلى التكاسل في الدعوة: وترك مواجهة الناس.


3- الصبر على أذية الخلق الذين يدعوهم إلى الله تعالى: وكم يتعرض الداعية إلى الله لأنواع من الأذى في سبيل دعوته، وإلى فتن الشبهات والشهوات، وأنواع المغريات؟! حتى يبتلى بعضهم بأنواع من البأساء والضراء والزلازل، والهجرة عن الأوطان، ومفارقة الأهل والأولاد والإخوان.


فلا بد من الصبر العظيم على ذلك كله، طلبًا للأجر الكريم، وحذرًا من الفتنة والعذاب الأليم ـ وإن طال الزمن ـ، وأسوته في ذلك النبي ﷺ؛ فإنه إمام الصابرين، وسيد الشاكرين المؤمنين، ولقد تعرض ﷺ لأنواع الابتلاء وأصناف الأذى فصبر صبرًا عظيمًا، ولما أوذي ﷺ مرة قال: «رحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، وكان ﷺ يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».


فإن الاعتبار بما جرى للنبي ﷺ وإخوانه من المرسلين وأتباعهم على الهدى والدين وما كانوا عليه من الصبر العظيم والصفح الجميل والكريم، وصدق الضراعة واللجوء إلى الرب الكريم ـ من أنفع الأمور وأحسنها عقبى في العاجل والآجل ـ، فقد أوذوا في الله فصبروا لله تعالى مستعينين به، فنالوا ثواب الصابرين، ورضا رب العالمين وثنائه عليهم في كلام محكم يتلى إلى يوم الدين، فالاعتبار بما جرى لهم من الشدائد والمكاره وفي البأساء والضراء وحين البأس وصبرهم عليهم الصلاة والسلام على ذلك كله بالله ولله مما يثبِّت الله به الداعية إليه، ويكون من أسباب تخلقه بالصبر الجميل، بل والصفح الجميل، وحسن ظنه بالمولى الجليل، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾. فإن الصبر مع اليقين من أسباب التمكين والإمامة في الدين وهداية الله تعالى ومعيته للصابرين، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، والأجر على قدر التعب والنصب، والمثوبة على قدر الحسبة وحسن الظن بالرب.


فالداعية إلى الله تعالى في غاية الضرورة إلى الصبر، وهو مرتبة عالية، وخليقة فاضلة لا تنال إلا بأسبابها التي يتجرع بها العبد مرارة الصبر إيماناَ بفائدته، وطمعًا في حسن عاقبته وجليل مثوبته، ففي الحديث عنه ﷺ قال: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»، وفي الحديث الآخر قال ﷺ: «والصبر ضياء»، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، وقال ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله».


فليصبر الداعية وليصابر في بيان الحق والدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ومجاهدة نفسه وغيره على الحق وفي سبيل الحق، وليتخلق بسعة الصدر، وعظم الحلم، وطول النَفَسْ، وبعد النظر، حتى تتحقق الغاية المنشودة، وفي الحديث في صفة المؤمن: «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، وفيه أيضًا قال ﷺ: «وما أعطى الله أحدًا من عطاءٍ خيرًا ولا أوسع من الصبر»، ومن لم يصبر استعجل في أمر له فيه أناة ففاته مقصوده، وشمت به حسوده.



ولذا قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ ﴾، يعني: يونس عليه السلام، أي: في نفاد صبره ومغاضبته لقومه، وذهابه عنهم بسبب غيرته، فمع أنه حق إلا أنه خلاف الأولى منه عليه الصلاة والسلام في حق ربه وحق قومه؛ ولذا عاتبه الله تعالى وابتلاه بسبب هذه العجلة، ولعل الحكمة ـ والله أعلم ـ أنه لم يستأذن ربه في مفارقتهم، وإلا فإن قومه مستوجبون للعقوبة؛ لولا أن الله تعالى لطف بهم وبنبيهم يونس عليه الصلاة والسلام فرحمهم وإياه فاستجاب دعاءهم، وصرف العقوبة عنهم، وقبل إيمانهم ورد إليهم نبيهم، ومتعهم إلى أجلهم؛ ولهذا نهى الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتأسى بيونس عليهم الصلاة والسلام جميعًا في هذا الأمر لكونه خلاف الأولى.


‌ج- خطر ترك الصبر:

وقلة الصبر قد يحمل الداعية على ترك مهام الدعوة، وهجران ميدانها، وفي ذلك خطر عظيم عليه، وفتنة كبيرة له ولغيره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله»، ومن لم يصبر تأخر ولا بد، وتنازل عن دعوته، ومتى تنازل كان محل طمع الشيطان وجنده في أن يفتنوه عن دينه، ويصدوه عن هدى ربه لينضم إلى ركب الباطل، وحزب الشيطان الخاسر، ويُخشى على مثل هذا أن يكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾.


‌د- بعض ثمرات الصبر:

فالإيمان والخير والصلاح والنصر، وسعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من الفتن والمكاره في العاجل والآجل، كل ذلك مقرون بالصبر، ولذا تواترت النصوص بشأنه وفضله وتنوعت في بيان ثمراته وحسن عواقبه:


1- فنزل القرآن بتأكيد الصبر فيما أمر به وندب إليه، وعما نهى عنه وكرهه، وجعله من عزائم التقوى، ومن خصال أولي النهى الفائزين بخير الحظوظ وأوفرها في الدنيا والأخرى، فكم في القرآن من الأمر به والثناء على أهله، والتنبيه على جميل عواقبه وجليل منافعه.



2- وأكثر الله تعالى من ذكره، فقد ورد ذكره في أكثر من ثمانين موضعًا ينبه سبحانه في جملتها المخاطبين واللاحقين على عظيم منافع الصبر، وكريم آثاره على صاحبه في الدنيا والآخرة ويحثهم عليه، فقد علق الله تعالى محبته بالصبر، وجعلها للصابرين: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وأخبر على وجه الثناء والبشارة بمثوبته أنه سبحانه مع الصابرين له تعبدًا وبه استعانةً، يعدهم تبارك وتعالى بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.


3- وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾، وأوصى سبحانه عبادَه أن يستعينوا بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين، فقال تعالى: ﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، وبيّن أنه إذا اقترن الصبر بالتقوى كان عصمة لصاحبه من ضرر كيد الأعداء: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾.


4- وأخبر سبحانه في قصة يوسف أن يوسف عليه السلام وصل إلى العز والتمكين بصبره وتقواه، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90] وبشر سبحانه الصابرين بثلاث خصال كل واحدة 



منها خير من الدنيا وما فيها، فقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾.


5- وجعل سبحانه الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا أهل الصبر فقال: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾، وعلق سبحانه المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾، وجعل سبحانه الجزاء على الصبر في الدنيا والآخرة بغير حساب فقال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.


وهذه النصوص وأمثالها كثير بشأن الصبر تدل على أن الصبر:

أ‌- من عظيم العبادات، وأجل المقامات.

ب‌- وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم قيامًا وتحققًا به.

ت‌- وأن الخاصة أحوج إليه من العامة، والكل محتاج إليه، فلا ينال المسلم بغيته ويحقق عبوديته إلا به ـ أي: الصبر ـ.

ث‌- وأنه سبب عظيم في حصول كل كمال ممكن للمخلوق.



ج‌- وأن أكمل الخلق سعادة وأعظمهم منزلة في الدنيا والآخرة أعظمهم وأحسنهم صبرًا، ولم يتخلف شخص عن كماله الممكن إلا مِنْ ضعف صبره وقلة جلده - غالبًا -، فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن فاته أحدهما فهو ناقص؛ وإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمرا كل مقام شريف وحال كامل، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد».

6- وجاءت في السنة النبوية أحاديث صحيحة صريحة تشيد بالصبر وترغب فيه، وتدل على وسيلة تحصيله، ومن ذلك:

‌أ- النص على أنه خير ونور: ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «والصبر ضياء»، وقال ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، رواه مسلم.

‌ب- أنه كفارة للخطايا مطلقًا، وأجر مع الاحتساب: ففي الصحيحين قال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» النصب: التعب، والوصب: المرض. وفي الترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» قال: وقرأ:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾.


‌ج- النص على أنه من خير العطاء وأوسعه: كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدًا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». وفي ذلك تنبيه على شرف الصبر وطيب عاقبته، وعظم نعمة الله تعالى على العبد به إذا منحه إياه وأعانه عليه، ووفقه للإخلاص له تعالى فيه، وفي الحديث أنه لا بد للعبد من التصبر لتحصيل الصبر، قال ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله»، فمن أخذ بالأول فاز بالثاني غالبًا، فالتصبر وسيلة لتحصيل الصبر، والصبر ثمرة يعطيها الله العبد على التصبر، فمنزلة التصبر من الصبر كمنزلة التعلم من العلم، والتفهم من الفهم، والصبر نصف الدين، وذلك أن الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾، ولا انفكاك للعبد عن الصبر في سائر أحواله.


فإنه إن كان في نعمة ففرضُها الشكر والصبر:

أما الشكر: فهو قيدها وثباتها والكفيل بنموها وزيادتها.

وأما الصبر: فعن مباشرة الأسباب التي تسلبها، وعلى القيام بالأسباب التي تحفظها، فهو أحوج إلى الصبر على النعمى من حاجة المبتلى على البلوى، والشكر مستلزم للصبر ولا يتم إلا به، ومتى ذهب أحدهما ذهب الآخر.



وإن كان في بلية ففرضُها الصبر والشكر أيضًا:

أما الصبر: فظاهر.

وأما الشكر: فللقيام بحق الله في تلك البلية، فإن لله تعالى على العبد عبودية في البلاء، كما عليه عبودية في النعماء، والواجب عليه أن يقوم بعبودية الله تعالى في الحالين.


ثم إنه مأمور بطاعة الله، وترك معصيته، والصبر على قضاء الله، فعليه أن يصبر على طاعة الله حتى يؤديها، وأن يصبر عن معاصي الله حتى لا يقع فيها، وأن يصبر على أقدار الله فلا يشكو ربه فيها إلى أحد من الخلق، بل يشكو الحال إليه، ويتضرع في كشفها إليه، وينطرح من أجلها بين يديه، فالصبر لازم للإنسان المسلم في سائر الأحوال، ومن لا صبر له فلا دين له، ومن لا دين له فقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.



7- ولأئمة السلف رحمهم الله تعالى كلام كثير في نصيحة الأمة بالصبر، وحثها عليه، وبيان حسن عاقبته وجميل أثره، ومن ذلك:


❁- ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وجدنا خير عيشنا بالصبر.

❁- وقال علي رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو.

❁- وقال أيضًا: الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته فقال: ولا إيمان لمن لا صبر له.

❁- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أفضل العدة الصبر في الشدة.

❁ـ وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: إن الصبر عز، وإن الفشل عجز، وإن مع الصبر النصر.

❁ـ وقال الحسن البصري رحمه الله: الصبر من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده.

❁- وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانه الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزعه.

❁- ومن خطبة الحجاج بن يوسف قال: اقدعوا هذه النفوس، فإنها طَلعِةٌ إلى كل سوء، فرحم الله امرءًا جعل لنفسه خطامًا وزمامًا فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن معاصي الله أيسر على العبد من الصبر على عذاب الله.

❁- ومن كلام بعض الحكماء قول أحدهم: بالصبر على مواقع الكره تدرك الحظوظ.


❁- وقول الآخر: بمفاتيح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور.


وقد عرف الناس من تقلُّبهم في الحياة أن الله تعالى قد جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو، وجندًا لا يُهزم، وحصنًا حصينًا لا يُهدم، وأنه والنصر أخوان شقيقان وحليفان لا يفترقان، والنصر مع الصبر، والصبر مقدمة الظفر.


فما أحوج الدعاة إلى الله تعالى إلى الصبر وأسعدَهم به! وما أحسن عواقبه على أهله في عاجل أمرهم وآجله! فليجعلوه من نفيس عدتهم وليستعملوه وقت حاجتهم وليحسنوا استعماله؛ لينالوا مثوبة ربهم، وحسبهم قول تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾.



وكتبه: 

الشيخ عبدالله القصيّر

رحمه الله 



لتحميل المقال PDF 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ ﴾

 ” قال الشيخ عبدالله القصيّر عليه رحمة الله: من أعظم مظاهر الحكمة حسن معاملة الزوجة ومصاحبتها بخير، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَیَجۡعَلَ اللهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَن تَسۡتَطِیعُوۤا۟ أَن تَعۡدِلُوا۟ بَیۡنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِیلُوا۟ كُلَّ ٱلۡمَیۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: « استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته -وفي رواية وكسرها طلاقهاـ، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء » متفق عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر -أو قال: غيره -». وقال رسول الله ﷺ: ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وخياركم خياركم لنسائهم ) رواه الترمذي. فاتقوا الله عباد الله وتحلوا بالحكمة في سائر الأحوال، واسألوا الله المزيد منها فإنها من أعظم...

الأذى ( حقيقته وحكمه وأنواعه وعظم إثمه )

” الحمد لله الذي يهتدي من اهتدى فضلا، ويضل من اعتدى ونأى عن الهدى عدلا، أحمده سبحانه أن أتقن ما صنع، وأحكم ما شرع، وله الحكمة البالغة في تدبيره لملكه وخلقه أجمع، وأشكره جل ذكره على نعم كثيرة كبيرة غزيرة لا تحصى، وآلاء متجددة مترادفة تترى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الأسماء الحسنى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى. واشهد أن محمدًا ﷺ عبدالله المصطفى ورسوله المجتبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما تامين كاملين متجددين ما تجدد الليل والنهار وتعاقب العشى والإبكار ولهج اللاهجون بالاستغفار في سائر الآناء وبالأسحار. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله فقد أفلح من اتقى بكل خير في الدنيا والأخرى، واتركوا الأذى، فإن ترك الأذى من أكرم خصال التقوى، وإنه منجاة من الهلكة والخزي والشقوة والعذاب في الآخرة والأولى. عباد الله: الأذى في اللغة هو فعل ما يكره، وترك القرار على حال محمودة، فهو فعل الاستمرار على ما يؤذي من لا يستحق الأذى قولًا أو فعلًا، أما الأذى في الاصطلاح هو إيصال الضرر والمكروه إلى من لا يستحقه في نفسه أو قنيته دنيويًّا أو أخرويًّا، وقد ورد استعمال لفظ ال...

صفة صلاة النبي ﷺ

 - بيان صفة الصلاة، وكيفية صلاة النبي ﷺ حسب العلم والتيسير من أجل أن الصلاة هي عمود الديانة وسر الأمانة والصلة بين العبد وبين ربه جل وعلا. وأنها واصلة من الله الله للعبد بكل خير، فما دام المصلي بين يدي ربه يصلي فإنه موصول من الله لك بأنواع من الخيرات. ولذا قال النبي ﷺ: « الصلاة خير موضوع »، يعني ميسر، والناس مستقل ومستكثر. وأخبر النبي ﷺ: « أن البر يذر علي الإنسان علي رأس الإنسان وهو يصلي »، البر هو الخير من الله جل وعلا. وأن ذنوب العبد وخطاياه توضع علي رأسه وهو يصلي فكلما هوى في الركوع والسجود والجلوس والقيام وكذا تساقطت عنه خطاياه حتي يفرغ من صلاته وقد محيت خطاياه زالت.  `