التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأذى ( حقيقته وحكمه وأنواعه وعظم إثمه )

الحمد لله الذي يهتدي من اهتدى فضلا، ويضل من اعتدى ونأى عن الهدى عدلا، أحمده سبحانه أن أتقن ما صنع، وأحكم ما شرع، وله الحكمة البالغة في تدبيره لملكه وخلقه أجمع، وأشكره جل ذكره على نعم كثيرة كبيرة غزيرة لا تحصى، وآلاء متجددة مترادفة تترى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الأسماء الحسنى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى.


واشهد أن محمدًا ﷺ عبدالله المصطفى ورسوله المجتبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما تامين كاملين متجددين ما تجدد الليل والنهار وتعاقب العشى والإبكار ولهج اللاهجون بالاستغفار في سائر الآناء وبالأسحار.


أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله فقد أفلح من اتقى بكل خير في الدنيا والأخرى، واتركوا الأذى، فإن ترك الأذى من أكرم خصال التقوى، وإنه منجاة من الهلكة والخزي والشقوة والعذاب في الآخرة والأولى.


عباد الله:

الأذى في اللغة هو فعل ما يكره، وترك القرار على حال محمودة، فهو فعل الاستمرار على ما يؤذي من لا يستحق الأذى قولًا أو فعلًا، أما الأذى في الاصطلاح هو إيصال الضرر والمكروه إلى من لا يستحقه في نفسه أو قنيته دنيويًّا أو أخرويًّا، وقد ورد استعمال لفظ الأذى في القرآن لمعاني عدة منها: المن بالصدقة، والشدة والمحنة، والسباب والشتيمة، والغيبة والنميمة وبمعنى الجفاء والمعصية في حق الله ورسوله وبمعنى الزور والبهتان على البرئ، والإثقال على الناس، والاستهزاء والتعذيب الذي يبتلى به المهتدي من الناس.



أيها الناس:

إن إيذاء الآخرين «بغير حق» جرم موجب للعنة والإثم، ومحبط لبعض الأعمال ومقتضي للغرم، وزيغ القلوب والندم قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾، وقال تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾، وقال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾، وقال سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾.



أيها المسلمون:

إن من الناس من يؤذي الله جل وعلا بأن يسمعه من الكلام ما لا يحب ولا يرضى كقول الذين قالوا اتخذ الله ولدا كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا قال تعالى﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾[5]، وفي الحديث: «لا أحد أصبر على آذى سمعه من الله يرزقهم ويعافيهم ويدعون له ولدا»، وفي الحديث القدسي الصحيح قال ﷺ يقول الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، وفي السنن لأبي داوود بإسناد صحيح أن رجلًا أم قومًا فبصق في القبلة... الحديث وفيه قال رسول الله ﷺ: «إنك قد آذيت الله ورسوله».



معشر المسلمين:

وأذى المؤمنين كبيرة من كبائر الذنوب تبيح لهم أن يلعنوا مؤذيهم وتجلب للمؤذي غضب الله تعالى بسب أذاهم وإن كف الأذى عنهم صدقة من جليل الصدقات وحسنة رتب الله عليها المغفرة ودخول الجنان، قال ﷺ: «اتقوا اللاعنين. قالوا: يا رسول الله، وما اللاعنان؟ قال: البول في طريق الناس وفي ظلهم»، وعدَّ ﷺ إماطة الأذى عن الطريق من الصدقات ومع أنها من أذى خصال الإيمان فقد نال بها شخص المغفرة ودخل الجنة، قال ﷺ وهو يذكر خصال الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وقال ﷺ: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وقال صلوات الله وسلامه عليه:«بينما رجل يمشي بطريقه، إذ وجد غصن شوك على الطريق، فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة»، وقال ﷺ: «رأيت رجلًا يتقلب في الجنة بغصن شوك نحاه عن الطريق».



معشر المؤمنين:

قال الربيع بن خيثم: «الناس رجلان مؤمن فلا تؤذوه وجاهل فلا تجاهله». وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله: «ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه». وقال غيره: «اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم أبنا، وأوسطهم أخا فأولئك تحب أن تسيء إليهم». وقال ابن كثير رحمه الله: «تضمنت النصوص أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليهم بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق».


العلامة عبدالله القصيّر رحمه الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ ﴾

 ” قال الشيخ عبدالله القصيّر عليه رحمة الله: من أعظم مظاهر الحكمة حسن معاملة الزوجة ومصاحبتها بخير، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَیَجۡعَلَ اللهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَن تَسۡتَطِیعُوۤا۟ أَن تَعۡدِلُوا۟ بَیۡنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِیلُوا۟ كُلَّ ٱلۡمَیۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: « استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته -وفي رواية وكسرها طلاقهاـ، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء » متفق عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر -أو قال: غيره -». وقال رسول الله ﷺ: ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وخياركم خياركم لنسائهم ) رواه الترمذي. فاتقوا الله عباد الله وتحلوا بالحكمة في سائر الأحوال، واسألوا الله المزيد منها فإنها من أعظم...

ترجمة مختصرة للشيخ عبدالله القصيّر رحمه الله

" بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فللعلماء في هذا الدين مكانة عظيمة لا تنكر، وفضل كبير لا يكاد يحصر، هم الأمناء على وحي الله، وهم أهل خشيته، وهم كما قال عنهم العلامة الآجري ”ورثةُ الأنبياء، وقُرةُ عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، هم أفضل من العبَّاد، وأعلى درجة من الزُّهاد، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يُذكِّرون الغافل، ويعلِّمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون، جميع الخلق إلى علمهم محتاج، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج ... هم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيّروا، وإذا أسْفَر عنها الظلام أبصروا“. ومما يدل على أهمية العلماء أن موتهم وفقدهم أمارة على ذهاب العلم، كما جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ «إن الله لا يقبض العلم...