التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيمان باليوم الآخر


تعريف اليوم الآخر


اليوم الآخر هو: يوم القيامة، يوم البعث والقيام لربِّ العالمين، سُمِّي "اليوم الآخر" لأنه يأتي بعد هذه الدنيا، ويُسمَّى يوم القيامة لقيام الناس فيه لربِّ العالمين، وله أسماء عديدة، كلُّ اسم يدلُّ على حدثٍ فيه أو حالٍ من أحوال الناس فيه، وكلها تدلُّ على عظمة شأنه وخُطورة إنكاره وشَناعة الكُفر به، وفيها تذكيرٌ بأهواله وتنبيهٌ على الاستعداد له.


 


منزلة الإيمان باليوم الآخر من الدِّين


الإيمان باليوم الآخِر هو أحد أركان الإيمان، وغالبًا يُذكَر هو الخامس منها، وقد دلَّت النُّصوص على فَلاح مَن آمَن به وعمل له - مخلصًا لله تعالى بما شرع - وعلى كُفر مَن أنكَرَه وجحَدَه؛ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136].




كيفيَّة الإيمان باليوم الآخِر


الإيمان باليوم الآخِر هو التصديق بمَجِيئه وما يكونُ فيه والحِكمة منه على النحو الوارد في الكتاب والسُّنَّة، فيتضمَّن الإيمان باليوم الآخِر أمورًا غيبيَّة لا يتحقَّق الإيمان به إلا بالتصديق بها واعتقادها والعمل بمُقتضاها؛ وهي:


أ‌- أحوال الموت والبرزخ: وتتضمَّن:


1- كيفيَّة مجيء الملائكة إلى مَن حضره الموت، وكيفيَّة قبض روحه، وأين يذهب بها بعد ذلك.


2- السؤال في القبر - أو فتنة القبر - وما جاء في صفته ونتيجته التي تترتَّب عليه، فيكون عليها مستقبل الميت من حيث امتحانه إلى يوم بعثه.


3- حال الميت في القبر ومدَّة لبثه فيه، وعَلاقة رُوحه بجسده، وما جاءتْ به النُّصوص من نعيم المثبتين وعَذاب المضلِّين.


 


ب‌- مقدِّمات الساعة وتفاصيل يوم القيامة:


1- أشراط الساعة وعلاماتها الكبار والصِّغار.


2- البعث، وهو إحياء الموتى بالنَّفخ في الصُّور النَّفخة الثانية، فتُعاد الأبدان، وتُنفَخ فيها أرواحها، وتنشقُّ عنها القُبور، ويقوم الناس لربِّ العالمين.


3- الحشر، وهو جمْع النَّاس في موقِف القِيامة في موقفٍ واحد، وصِفته وحال الناس فيه.


4- الحساب، وهو العَرض على الله تعالى وتَقرير المؤمنين، ومُناقشة الكافرين كل بعمَلِه.


5- الكتُب وصُحف الأعمال وكيفيَّة أخْذ الناس لها.


6- الموازين وصِفتها ونتيجتها.


7- الحوض وصِفته، وصِفة الورود عليه، ومَن يُطرَد عنه.


8- الصراط وصفته، وحال مُرور الناس عليه.


9- الشفاعة وأنواعها.


10- الإيمان بالجنَّة والنار، وما جاء من صِفتهما وحال أهلهما فيهما، وأنهما المآل الأبدي للجن والإنس.


 


الحِكمة من مَجِيء اليوم الآخِر:


لمجيء اليوم الآخر حِكَمٌ مُتعدِّدة مُبيَّنة في بعض الآيات المحكَمات؛ كقوله تعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾ [النحل: 39] ، وقال تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [سبأ: 4 - 6].


ويمكن إجمال تلك الحِكَم بالآتي:


1- إثبات صِدق ما أخبرَتْ به الرُّسل، ونطقَتْ به الكتب من أمْر يوم القيامة وما يكونُ فيه.


2- بَيان تصديق أهل العلم والإيمان الذين صدَّقوا به وعملوا له ودعَوْا إليه على مِنهاج النبيِّين والمُرسَلين.


3- ظُهور كذب الكُفَّار فيما أنكَروه وأعرَضوا عنه، وخَسارتهم فيه.


4- الحُكم بين الخلق بالحقِّ، وأداء الحقُوق إلى أهلها.


5- جَزاء المحسِنين بالإحسان، والمسيئين بما عَمِلوا، فاقتضَتْ حِكمةُ الله تعالى أنْ يجعَل للخلق مَعادًا يُبعَثون فيه، ثم يُردُّون إليه ليُجازِيهم على ما كلَّفَهم به على ألسِنة رسُلِه، وما أنزل إليهم من كتبه؛ قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115].



أدلة نعيم القبر وعذابه


أحوال الموت والبرزخ من الأمور الغيبيَّة التي ثبتَتْ بواسطة النقل لا من طريق العَقل، والعَقل لا يحيلُها، وحتى لو لم يقرَّ بها العقل فإنَّ الشرع كافٍ في إثباتها ووُجوب اعتِقادها والعمل لها؛ لعِصمة النقل وقُصور العقل، وفيما يلي إشارةٌ إلى جُملةٍ منها، وذلك لما يلي:


1- لوجود مَن أنكر ذلك.


2- ولمسيس الحاجة إلى تذكير المسلمين به.


3- ولأنَّ القبر أوَّل مَنازل الآخِرة، فإنَّ الإيمان بما ثبَت في النُّصوص من أحوال الناس في البرزخ بعد الموت إلى قِيام الساعة من تحقيق الإيمان باليوم الآخِر.


 


حقيقة الموت


الموت هو مُفارقة رُوح ابن آدم لجسَده إذا استَـكمَل أجله بأيِّ سببٍ قدَّره الله تعالى ومُفارقة الرُّوح للجسَد ليس فَناءً للروح، ولكنَّه انفِصالٌ لها عن البدن بأمر الله تعالى وليس انفِصالًا نهائيًّا، بل لها به نوعُ اتِّصالٍ الله أعلم بكيفيَّته وحقيقته، وتكون أمور البرزخ على الرُّوح أصلًا والبدن تابعٌ لها، حتى ولو تَلاشَى واضمحلَّ وصار رُفاتًا أو تُرابًا، أو تلف بحَرقِه أو نحوه وذُرِّي في الهواء ولم يبقَ له بقيَّة، فإنَّ الروح تبقى وهي التي تتعرَّض للعَذاب أو النعيم، ويصلُ البدنَ حظُّه من ذلك بقُدرة الله تعالى فإنَّ الله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا يعجزه شيء؛ وقد قال تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ق: 4].



الفتنة في القبر


يجبُ الإيمان بما دلَّتْ عليه الأحاديث من أمر الملَكَيْن الفتَّانين الموكَّلين بسُؤال الميت في القبر، وصِفتهما وسُؤالهما عامَّة المقبورين، وكيفيَّة ذلك، وما يجيبُ به المؤمن وما يجيبُ به الكافر أو المُرتاب، وما يَعقُب ذلك من النعيم أو العَذاب، على التفصيل الذي جاءتْ به الأحاديث، ومن ذلك ما روى الترمذي وابن حبَّان عن أبي هريرة رضِي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قُبِرَ الميت ـ أو قال: أحدكم ـ أتاه مَلَكَان أسودان أزرقان يُقال لأحدهما: منكر، وللآخَر: نكير..." أخرجه الترمذي برقم (1071)، وابن حبان برقم (780). قال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان، ويشهد له حديث البراء بن عازب رضِي الله عنه الآتي.


وقد دلَّت النُّصوص الواردة في إثْبات نعيم القبر وعَذابه على أصل الفتنة فيه، وهي السؤال للميت: "مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟" فيُثبِّت الله مَن يشاء، وهو الذي يُنعَّم في قبره، ويضلُّ مَن يشاء، وهو الذي يُعذَّب في القبر إلى ما شاء الله.




نعيم القبر وعَذابه


اتَّفق أهل السُّنَّة والجماعة على ما دلَّت عليه النُّصوص من أنَّ نعيم القبر وعَذابه حقٌّ، وأنَّه يكون للرُّوح والبدَن جميعًا، وهو مُترتِّب على فتنة القبر والسؤال فيه، فمَن ثبَّتَه الله نُعِّم، ومَن أضلَّه عُذِّب. فنعيم الروح أو عَذابها على أحوال:


1- فقد تكون متَّصلةً بالبدن تارةً؛ فيكون النَّعيم أو العَذاب عليهما جميعًا.


2- كما أنَّه قد يكون النعيم أو العَذاب للرُّوح منفصلةً عن الجسد؛ فيكون النعيم أو العَذاب للروح وحدَها تارةً أخرى.


 


أدلة نعيم القبر وعَذابه


دلَّت نصوصٌ كثيرةٌ من القُرآن والسُّنَّة على نعيم القبر وعَذابه:


فمن القرآن:


1- قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ [الواقعة: 88، 89] ، وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ [الواقعة: 92 - 94].


2- وقوله تعالى عن آل فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46] ، فدلَّت الآية على أنَّهم يُعرَضون على النار غُدُوًّا وعشيًّا قبلَ يوم القيامة، وهو عَذاب البرزخ.


قال ابن كثير رحمه الله: (هذه الآية أصلٌ كبيرٌ في استدلال أهل السُّنَّة على عَذاب القبر)، وقال القرطبي رحمه الله: "الجمهور على أنَّ هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجَّةٌ في تثبيت عَذاب القبر".


3- ومن الأدلة كذلك على عَذاب القبر قوله تعالى عن الكفَّار: ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة: 101] ، قال مجاهد: أي: بالجوع وعَذاب القبر، قال: ثم يردُّون إلى عَذاب عظيم يوم القيامة، وقد استدلَّ بهذه الآية والتي قبلها البخاريُّ رحمه الله في ترجمة الأحاديث في عَذاب القبر.


 


ومن السُّنَّة:


1- حديث البراء، وفيه قال ﷺ في المؤمن: "فيُنادِي مُنادٍ من السماء أنْ صدَق عبدي فأفرِشُوه من الجنَّة، وألبِسُوه من الجنَّة، وافتَحوا له بابًا إلى الجنَّة، فيأتيه من رِيحها وطِيبها، ويُفسَح له في قبره مدَّ بصره..." أخرجه أحمد في المسند (4/ 287-295، 296)، وأبو داود برقم (4753)، والنسائي برقم (2058) مختصرًا، وابن ماجه برقم (4269) مختصرًا، وصحَّحه الحاكم (1/ 37، 40)، وحسَّنه الأرناؤوط في تحقيق شرح السنة (5/ 417).



2- ومن أدلَّة السنَّة على إثبات النعيم أو العَذاب في القبر ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ الرسول ﷺ قال: "إنَّ أحدَكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعَدُه بالغَداة والعَشِيِّ، إنْ كان من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة، وإنْ كان من أهل النار فمن أهل النار، فيُقال: هذا مقعدك حتى يبعَثك الله يوم القيامة" أخرجه البخاري برقم (1379)، ومسلم برقم (2866)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.




3- وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن أنس رضِي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لولا ألاَّ تدافَنُوا لدعوتُ الله أنْ يُسمِعكم عَذابَ القبر" أخرجه مسلم برقم (2868)، عن أنس رضي الله عنه.


4- وما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قال في صاحبي القبرين: "إنهما ليُعذَّبان" أخرجه البخاري برقم (216)، ومسلم برقم (262)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.


5- وكذلك ما ثبَت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إنَّ عامَّة عَذاب القبر من البول"، يعني: من الاستِهانة به، وعدم التنزُّه والتحفُّظ منه.


6- وكان النبي ﷺ يتعوَّذ من عَذاب القبر. أخرجه البخاري برقم (6366)، ومسلم برقم (586) (126)، عن عائشة رضي الله عنها.


وقد أجمع المسلمون على إثبات عَذاب القبر ونعيمه، ولم يُنكِرْه إلا مَن لا فقهَ له ولا أثَر لخِلافه.



فقد أنكَر الملاحدة والفَلاسفة ومَن اتَّبعهم من أهل الكلام نعيمَ وعَذاب القبر؛ لردِّهم الأحاديث الصحيحة فيه، وبدعوى عدًم مٌشاهدته في الدنيا، ويُردُّ عليهم بما يلي:


الأول: دلالة الكتاب والسُّنَّة وإجماع السلف عليه.


الثاني: أنَّ أحوال الآخِرة لا تُقاسُ بأحوال الدنيا.


الثالث: وجود أشياء في الدنيا لا تُشاهَد مثل: العقل والرُّوح والكهرباء، فكلُّ هذه يقرُّ العُقَلاء بوجودها ويؤمنون بأثَرها مع أنَّهم لم يُشاهِدوها على هيئتها، فما أخبر الله تعالى به من أمور الغَيْب في البرزخ والآخِرة وفوق السماوات أولى أنْ يُصدَّق به ويُقَرَّ بوجوده، ولو لم يُشاهَدْ؛ ذلك بأنَّ الله هو الحقُّ المبين.



أدلة الحشر يوم القيامة


الحشر لغةً: الجمع.


وشرعًا: جمع الخلائق بعد إحيائهم في موقف الجمع يوم القيامة لحِسابهم والقضاء بينهم.


من الأدلَّة على الحشر:


(1) قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 9].



(2) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الواقعة: 49، 50].



(3) وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ [ق: 44].

 


(4) وجاء في الحديث الصحيح عن النبيِّ ﷺ: "إنَّ الله تعالى يجمَع الأوَّلين والآخِرين في موقفٍ واحدٍ يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وأنهم يُصِيبهم في ذلك الموقفِ من الأهوال ما لا يُطِيقون ولا يحتَمِلون، حتى يَسعَى بعضُهم في طلَب الشفاعة ليخلصوا من هوْل ذلك الموقف لشِدَّته عليهم". جزء من حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري برقم (3361)، ومسلم برقم (194)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.



(5) في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس، إنَّكم لمحشورون حُفاةً عُراةً غُرلًا، ثم قرَأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]، وأول مَن يُكسَى إبراهيمُ عليه السلام". أخرجه البخاري برقم (6526)، ومسلم برقم (2860)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.



(6) وقال ﷺ: "يُحشَر الناسُ يومَ القيامة عُراةً غُرلًا بُهْمًا"؛ أي: ليس معهم شيءٌ. جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند (3 /495)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (970)، وعلَّقه في صحيحه في كتاب العلم، باب: الخروج في طلب العلم، عند الحديث رقم (78). وحسَّنه الحافظ في الفتح (1 /210)، وصححه الحاكم (2 /437، 438) ووافقه الذهبي، وحسَّنه الألباني في الصحيحة رقم (160)، وفي صحيح الأدب المفرد (746).

 


(7) وقال ﷺ: "يُحشَر الناسُ يوم القيامة على أرضٍ بيضاء كقُرصة النقيِّ، ليس فيها مَعلَمٌ لأحدٍ". أخرجه البخاري برقم (6521)، ومسلم برقم (2790)، عن سهل بن سعد رضي الله عنه.

 


فتَقرَّر بهذه النُّصوص وما جاء في مَعناها أنَّ الناس بعد بَعثِهم يُحشَرون في صعيدٍ واحدٍ لا يتأخَّر عنه أحدٌ، ولا يفلت أو يفرُّ منه أحد، فيَقِفون مُنتَظِرين حتى يأتي الله تبارك وتعالى لفصْل القَضاء.



كيفية البعث يوم القيامة



تعريف البعثالبعث لغةً: التحريك والإثارة والنشر والإرسال.

واصطلاحًا: هو إخراج الناس أحياءً من قبورهم، وإرسالهم إلى موقف الحشر؛ لحِسابهم والقَضاء بينهم وجَزائهم.


حِكمته ومَنزلتهيجبُ الإيمان - وهو التصديق والاعتقاد الجازم - بأنَّ الله تعالى يبعَث الناس من قُبورهم أحياءً يوم القيامة، على الصفة التي جاءَتْ بها النُّصوص؛ ليجزي المحسِن بإحسانه، والمُسِيء بعمله، أو يعفو عنه.


والإيمان بالبعث والجزاء من أعظم أصول الإيمان، فإنَّ الله تعالى يجمَع بقُدرته ما تفرَّق من أجساد الأموات التي تحلَّلتْ، ثم يعيدُها كما كانت، ثم يعيدُ الأرواح إليها، ثم يشقُّ الأرضَ عنها، ثم يسوقُها إلى المحشر؛ للقضاء بينهم بالحق وجَزائهم على أعمالهم.




من الأدلَّة على البعث: ولقد أقامَ الله تعالى الحُجَجَ والبراهين على صحَّة البعْث وتحقُّق وقوعه وأبطل شُبهات مُنكِري البعث من وُجوهٍ مُتعدِّدة:


فمن التنزيل الحكيم:

1- الإخبار بوقوعه؛ كقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85].


2- الإقسام على البعث لتأكيد وقوعِه حيث أمَر الله تعالى نبيَّه ﷺ أنْ يُقسِم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه منها: قول الله تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7].



ومن قول الرسول الكريم:


قوله ﷺ: «إذا أرادَ الله بقومٍ عَذابًا أصاب العَذاب مَن كان فيهم ثم بُعِثُوا على أعمالهم»أخرجه مسلم برقم (2882)، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. وقوله ﷺ: «يُبعث كلُّ عبدٍ على ما مات عليه» أخرجه مسلم برقم (2878)، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.

 


وممَّا ساقَه الله تعالى من براهين على قُدرته على بعْث الأموات بعد موتهم:


• إحياء الأرض بالمطر بعد موتها؛ كقوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق: 9 - 11].


• إحياء بعض الأموات في الدنيا كإحياء قتيل بني إسرائيل بعد ضَربِه بعظمٍ من بقرةٍ أُمِرُوا بذَبحها لذلك، وإحياء الذي مرَّ على قريةٍ بعد موتها، وإحياء أهل الكهف، وإحياء الطير لإبراهيم عليه السلام وتلك الأمثلة مذكورةٌ في القُرآن.


• أنَّ الذي ابتدأ الخلق على غير مثالٍ سبَق قادرٌ على إعادته، فإنَّ الإعادة أهوَنُ من الابتداء، والكلُّ على الله هيِّن.


بل إنَّ الله تعالى سرَد في سِياقٍ واحدٍ عشرةَ أدلَّةٍ على البَعث في صدر سُورة الأنبياء، فدلَّت النُّصوص على أنَّ الله تعالى يُعِيد الأجسادَ نفسها فيجمع رُفاتها المتحلِّل، ويخلقها في أماكنها في القبور أو في أيِّ مكانٍ كانت حتى تعودَ كما كانتْ، فيعيد إليها أرواحها إذا تمَّ خلقها، فسبحان مَن لا يُعجزه شيء وهو على كل شيء قدير!



بيان كيفيَّة البعثوفي بَيان كيفيَّة البعث جاء حديثُ أبي هريرة رضِي الله عنه الذي أخرَجَه الشيخان أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما بين النفختين أربعون»، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ، قال: «ثم يُنزِل الله ماءً فينبتون منه كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبلَى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب ـ آخر عمود الظهر ـ ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة» أخرجه البخاري برقم (4935)، ومسلم برقم (2955)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.


فدلَّ الحديث على كيفيَّة البعث، وأنَّ أهل القبور والموتى يبقون بعد النفخة التي فيها الصَّعقة وقبل نفخة البعث أربعين، جاء في بعض الرِّوايات أنَّها أربعون سنةً، والنفختان هما:


الأولى: نفخة الفزَع والصَّعق، وهي التي تكونُ بها إماتة الأحياء وخَراب هذا العالم.


الثانية: نفخة البعث من القبور وإرسالهم إلى موقف الحشر.


فإذا أراد الله بعْث الخلائق أنزَل من السماء ماءً - جاء في بعض الروايات صفته أنَّه كمَنِيِّ الرِّجال ـ فينبت أهلُ القبور من ذلك الماء، فإذا تَمَّ خلقهم نفخ في الصُّور النفخة الثانية، فطارت أرواحُهم إلى أجسادهم، وانشقَّت الأرضُ عنهم، فخرَجُوا من قُبورهم سِراعًا: ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ [القمر: 7، 8].


فأوَّل يوم القيامة النَّفخُ في الصُّور نفخة الفزع والصَّعق، ثم نفخة البعث التي تعودُ فيها الأرواح إلى الأجساد فتحيا، ثم تُحشَر الخلائقُ إلى ربِّ العِباد، والصُّور هو القَرن الذي ينفُخ فيه إسرافيل عليه السلام. انظر: تفسير ابن كثير (3 /46).


• وعن أبي سعيد أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ صاحب الصور قد التقَمَ الصور وحنى جبهتَه ينتَظِر متى يُؤمَر بالنَّفخ». أخرجه الإمام أحمد (3 /7)، والترمذي برقم (2431)، (3238)، وابن ماجه برقم (4273). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الألباني في الصحيحة رقم (1079): حسن لغيره، وصححه الأرناؤوط في تحقيق شرح السنة (15 /103).


• وروى أحمد في مسنده أنَّ رسول الله ﷺ قال: «النافخان في السماء الثانية فيَنظُران متى يُؤمَر في الصور فينفُخا». أخرجه أحمد (2 /192)، عن أبي مرية أو عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ.


قال الحافظ: وقد اشتهر أنَّ صاحب الصور إسرافيل عليه السلام.

وهذا يحتمل أنَّ إسرافيل رئيسهم وله أعوان.

وقد جاء في صحيح مسلم عن يوم الجمعة أنَّ فيه تقومُ الساعة. برقم (854) (18)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.


وفي سنن النسائي عن أوس بن أوسٍ الثَّقفي مرفوعًا: «إنَّ أفضل أيَّامكم يوم الجمعة فيه الصَّعقة، وفيه النَّفخة الثانية». أخرجه أبو داود برقم (1047)، والنسائي برقم (1373) بنحوه، وابن ماجه برقم (1085) ورقم (1636) بنحوه. وصحَّحه الألباني في الصحيحة برقم (1930)، والمشكاة رقم (1361)، والتوسل (ص63)، وصحيح الجامع برقم (3895).

 


عدد مرَّات النفخ في الصوروالصواب أنَّ النفخ في الصور مرتان:

الأولى: تبدأ بالفزَع وتنتهي بالصَّعق لجميع الخلق إلا مَن شاء الله.

الثانية: نفخة البعث فتُعاد الأرواح إلى الأجساد، ويقومُ الناس لربِّ العالمين، ويدلُّ على ذلك:


1- قوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68]، وقوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ [يس: 51].


2- وثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما في حديثه الطويل، وفيه: قال رسول الله ﷺ: «ثم يُنفَخ في الصُّور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، ثم لا يبقَى أحدٌ إلا صُعِقَ، ثم يُنزل اللهُ مطرًا كأنَّه الطلُّ أو الظل - شكَّ الراوي - فتنبت منه أجسادُ الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظُرون». جزء من حديث أخرجه مسلم برقم: (2940)، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.



أدلة الحساب من الكتاب والسنة

 


أ- تعريف الحسابالحساب لغةً: العدُّ والإحصاء.

وشرعًا: هو: إطْلاع الله تعالى عبادَه على أعمالهم قبلَ الانصِراف من المحشَر خيرًا كانت أو شرًّا؛ قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]، وقال تعالى: ﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].


 


ب- الأدلة على الحسابالحساب ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، والإيمان به أصلٌ من أصول أهل السُّنَّة والجماعة:


1. فمن القرآن:

• قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25، 26].


• وقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7، 8].



2. ومن السُّنَّة:

• ما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ في بعض صَلاته: "اللهمَّ حاسِبني حِسابًا يسيرًا"، فقالت عائشة: ما الحِساب اليسير؟ قال: "أنْ ينظُر في كتابه فيتجاوَز عنه". أخرجه أحمد في المسند (6/ 4)، وانظر: المشكاة رقم (5562)، قال الألباني: إسناده جيد.



3. وأجمع المسلمون على ثُبوته يوم القيامة:

• والحساب عامٌّ للجميع، إلا مَن استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قال ﷺ في أُمَّته: "ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بلا حِساب ولا عَذاب"، فقام عكاشة ابن محصن رضِي الله عنه فقال: ادعُ اللهَ أنْ يجعلَنِي منهم. فقال: "أنت منهم" الحديث. أخرجه البخاري برقم (5704)، ومسلم برقم (220) (374).


• وروى أحمد رحمه الله عن أبي أُمامة الباهلي رضِي الله عنه: "إنَّ مع كلِّ ألفٍ سبعين ألفًا"، صحَّحَه ابن كثير رحمه الله وذكر له شواهد. أخرجه أحمد في المسند (5/ 268)، والترمذي برقم (2437)، وابن ماجه (4286)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.




4- صفة الحساب ونشْر الكتابدلَّت النُّصوص الواردة في الحِساب - ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه - على: "أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن فيُقرِّره بذنوبه - أو بعمله - حتى إذا رأى أنَّه قد هلَك؛ قال الله تعالى له: أنا سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم، فيُعطَى كتاب حسناته". أخرجه البخاري برقم (2441).


قلت: وفي هذا الحديث أنَّ الحساب قبلَ أخْذ الكتاب، فالكتاب توثيقٌ للحساب؛ لإظهار الفضل والعدل من ربِّ الأرباب، فيُقرر بالحساب، ثم يدفع إليه الكتاب ليقرأه فيباهي به أو يتحسَّر عليه.


وأمَّا الكافرون والمنافقون فيُنادَى بهم على رُؤوس الأشهاد: ألا لعنةُ الله على الظالمين.



وأوَّل مَن يُحاسَب من الأمَم هذه الأمَّة؛ لقوله ﷺ: "نحن الآخِرون السابِقُون يومَ القيامة المقضيُّ بينهم قبل الخلائق" أخرجه البخاري برقم (896)، وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: "نحن آخِر الأُمَم وأوَّل مَن يُحاسَب..." أخرجه ابن ماجه برقم (4290).


وأوَّل ما يُحاسَب به العبدُ من حُقوق الله الصلاةُ؛ لقوله ﷺ: "أوَّل ما يُحاسب عليه العبدُ يوم القيامة الصلاةُ..."، رواه الطبراني، وإسناده لا بأسَ به.


قال المنذري في الترغيب والترهيب: وأوَّل ما يُقضَى بين الناس - قلت: يعني: من حُقوق بعضهم على بعضٍ - في الدِّماء؛ لقوله ﷺ: "أوَّل ما يُقضَى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء"أخرجه البخاري برقم (6532).



وزن الأعمال يوم القيامة


دلَّت الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة على أنَّ الناس بعدما يُقرُّ المؤمنون بأعمالهم، ويُناقَش الكافرون ويقرعون ويُبكَّتون على ظُلمهم وإجرامهم فيتحقَّق الحساب، وبعد ذلك تُنشَر الدواوين؛ أي: تُفتَح وتُبسَط؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ [التكوير: 10].


فآخِذٌ كتابَه بيمينه، وآخِذٌ كتابَه بشِماله من وَراء ظهره؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7، 8]، ويقول فرحًا مسرورًا: ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 19، 20].


﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [الانشقاق: 10 - 12] ، ويقول خاسئًا حسيرًا: ﴿ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 25، 26]، وقال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13، 14] ، فكلٌّ قد تحدَّد مصيرُه.



• الميزان:

بعد أخْذ الكتب أو صُحف الأعمال يُوجَّه الناس إلى الموازين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 8، 9].


فالميزان شيءٌ حقيقيٌّ، له كفَّتان تُوزَن به أعمالُ العِباد، ولا يعلَمُ كيفيَّته إلا الله تعالى قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47] ، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 102، 103].


• فتُوزَن الأعمال؛ لحديث: "الحمدُ لله تملأُ الميزان، وسبحان الله، والحمد الله تملأُ ما بين السَّماء والأرض". أخرجه مسلم برقم (223).

• وقد تُوزَن صُحفُ الأعمال؛ لحديث البطاقة.

• وقد يُوزَن العامل؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنهما قال النبي ﷺ: "أتعجَبُون من دقَّة ساقَيْه؟ لَـهُما في الميزان أثقَلُ من أُحُدٍ"أخرجه الإمام أحمد في المسند (1 / 420، 421)، وحديث: "يُؤتى بالرَّجُل السَّمين فلا يزنُ عند الله جَناح بَعُوضة" أخرجه البخاري برقم (4729).


فمَن ثقُلتْ موازينُ حَسناته على سيِّئاته دخَل الجنَّة، ومَن تَساوَتْ حَسناتُه مع سيِّئاته كان من أهل الأعراف بين الجنَّة والنار، يُؤجَّل أمرُه حتى يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ثم تُدرِكُه الشفاعة فترجح حسَناته على سيِّئاته فيدخُل الجنَّة، ومَن رجحت سيِّئاته على حسَناته استحقَّ النار، إلا أنْ يشفع فيه الشفعاء، أو يعفو الله عنه، ومَن خفَّتْ موازينه لكُفره وشِركه وتَعاطِيه لما يحبط عمله فهم الأخسرون أعمالًا، المستوجِبُون للنارِ عَذابًا ونَكالًا.



أنواع الشفاعة المثبتة


تعريف الشفاعةالشفاعة لغة: من الضم والتقوية في تحصيل المقصود؛ لأنَّ الشافع ينضمُّ إلى المشفوع له فيُعِينه ويُقوِّيه في تحصيل مَطلوبه. واصطلاحًا: هي سؤال الخير للغير.

وهي في يوم القيامة: السؤال في التخليص من موقف القيامة وأهواله، والسؤال في التجاوُز عن الذنوب ومحو السيِّئات، والنجاة من النار ودخول الجنَّة، والتخفيف من العَذاب، ونيل الثواب وزيادته.


وقد دلَّت الآيات المحكَمات والأحاديث الصحيحة على أنَّ الشفاعة شفاعتان:

الأولى: مثبتة: وهي ما كانت بعد إذْن الله تعالى للشافع ورِضاه عن المشفوع له، وقد تواتَرتِ النُّصوص في الأدلَّة على ثُبوت الشفاعة يومَ القيامة بأنواعها، الخاصَّة بالنبي ﷺ أو العامَّة له ولغيره من الشافعين من خِيار عِباد الله، ومنها الشفاعة في أهل الكبائر من الأمَّة، والشفاعة في دُخول الجنَّة، وفي الجنَّة في رِفعة الدرجة وزيادة الثَّواب والكَرامة في الجنَّة على ما جاءَتْ به الآيات والأحاديث.


ومن الحكمة فيها إظهار إكرام الله تعالى للشافع ورحمة الله تعالى للمَشفوع له.


فالشفاعة المثبتة لا تُنال إلا بإذْنه تعالى ورِضاه عن المشفوع له، وهذه لا نصيبَ فيها لمشركٍ، إلا ما ورَد من تخفيف العَذاب عن أبي طالبٍ خاصَّةً.



الثانية: وأمَّا الشفاعة المنفيَّة: فما نُفِي من الشفاعة فهو ما كان لمشركٍ أو كافر - غير أبي طالب - أو كان بغير إذنٍ من الله، فعامَّة الكفار والمشركين والمنافقين نفاقًا اعتقاديًّا كلُّ هؤلاء لا نصيبَ لهم في الشفاعة غير الشفاعة العُظمَى؛ وهي تعجلهم إلى النار.


 


أنواع الشفاعة المثبتة:

الأولى: الشفاعة العُظمَى في أهل الموقف، وهي خاصَّة بالنبي ﷺ، فيشفع لهم ليَقضِي الله بينهم ويتخلَّصوا من هول الموقف، وهي من المقام المحمود الذي أُعطيه النبي ﷺ.


الثاني: الشفاعة في قومٍ استَوجَبوا النار ألاَّ يدخلوها: وهذه عامَّة، وللنبي ﷺ منها أوفَرُ حظٍّ ونصيب، ولعلَّه ﷺ يشفَعُ في الجملة، ثم يشفَعُ إخوانُه من المرسلين والنبيين والشهداء والصالحين، وتكون قبلَ الورود على الصراط كما يُفهَم من الأدلَّة.


الثالث: الشفاعة في قومٍ دخَلوا النار من عُصاة أهل القبلة أنْ يخرُجوا منها: وهذه تكونُ بعد مجاوزة الصراط، وهي أيضًا عامَّة في الشافعين، للنبي ﷺ منها أكبر حظ وأوفر نصيب، ولعلَّه ﷺ يشفع في جُملتهم ثم يشفع الشُّفعاء بعده كلٌّ فيمَن يخصُّه، ويشركه فيها إخوانه المرسلون والنبيُّون والصِّدِّيقون والصالحون فيمَن شاء الله من عِباده.


الرابع: الشفاعة في دُخول الجنَّة: وهذه خاصَّةٌ بالنبيِّ ﷺ، فإنَّه الوحيد الذي يَستَفتِح باب الجنَّة فيُفتَح له، ثم يَدخُل هو وأمَّته والمُرسَلون وأممهم بعدَه، عليهم الصلاة والسلام جميعًا.


الخامس: الشفاعة داخل الجنَّة في رِفعة الدرجات وزيادة الثواب: بحيث يُعطَى المشفوعُ له فوقَ ما يستحقُّه، أو يُرفَع إلى درجة الشافع فيه، وهي كذلك عامَّة للمُرسلين والنبيين والشهداء وصالحي المؤمنين، وللنبي ﷺ من هذه الشفاعة النصيبُ الأوفرُ.


السادس: الشفاعة في ترجيح حسَنات مَن تساوَتْ حسناتهم وسيِّئاتهم، وهم أهل الأعراف على الراجح، والأعراف: جبلٌ مُشرِفٌ بين الجنَّة والنار، يُوقَف عليه أهلُ الأعراف، وهم قومٌ تساوَتْ حسناتهم وسيِّئاتهم، فلم ترجحْ حسَناتهم فيدخُلون الجنَّة، ولم ترجح سيِّئاتهم فيستَوجِبوا النار، فيشفع لهم في ترجيح حسَناتهم على سيِّئاتهم فيدخلوا الجنَّة، وهي عامَّة في المرسَلين والنبيِّين والشهداء والصالحين، وللنبي ﷺ منها النصيبُ الأوفرُ، وهذه تكونُ بعدَ دُخول أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهل النارِ النارَ بمدَّةٍ اللهُ أعلمُ بها.


السابعة: الشفاعة في أبي طالب خاصَّة من الكفَّار: وهي كذلك خاصَّةٌ بالنبيِّ ﷺ، فيشفَع في تخفيف العَذاب عنه، حيث يخرجه - صلى الله عليه وسلم - من دركات النار إلى ضحضاحٍ منها - أي: يسير لا يجاوز كعبيه - يَغلِي منه دماغه، وهو أهون الكفَرَة عَذابًا، ومع ذلك لا يَرى أنَّ أحدًا أشد منه عَذابًا، ولا يخرج من النار؛ لأنَّه ماتَ على الشرك، والله تعالى قال عن المشركين: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 167] ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ [الحجر: 48].



الورود على الحوض والصراط


الورود على الحوضوقد جاء في الحديث الصحيح أنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا، لكنَّ أعظمها وأكبرها وأكثرها واردًا حوض النبي ﷺ، فقد أجمَع أهلُ الحقِّ على أنَّ للنبيِّ ﷺ حوضًا في عرصات يوم القيامة، يَرِدُ عليه مَن أجابَه واتَّبعه من أمَّته حقيقةً، وهم المؤمنون والمسلمون، أو ظاهرًا وهم المنافقون، فيُورَد المؤمنون ويُطرَد المنافقون والمرتدُّون.


وقد جاء وصْف الحوضِ عن النبيِّ ﷺ: "ماؤه أشدُّ بَياضًا من اللبن، وأحلى من العسَل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهرٌ، وعرضه شهرٌ، مَن يشرب منه لا يظمَأ بعدها أبدًا" أخرجه مسلم برقم (2300).


فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "حوضي مسيرةُ شهرٍ، ماؤه أبيضُ من اللبن، وريحُه أطيَبُ من رِيح المسك، وكيزانه كنجوم السَّماء، مَن شرب منه لا يظمَأ أبدًا" أخرجه البخاري برقم (6593).


وفي صحيحي البخاري ومسلم: "لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضَ أقوامٌ فيختَلِجون دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدَثُوا بعدك" أخرجه البخاري برقم (6576).


الصراطدلَّت النُّصوص من الكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأمَّة على أنَّ الصراط - وهو الجسر - المنصوب على متن جهنم يمرُّ الناس عليه على قدْر أعمالهم، وعليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمَن مَرَّ على الصراط دخَل الجنَّة، ومَن خطفَتْه تلك الكلاليب دخَل النار، فيمر الناس عليه على حسب أعمالهم، فناجٍ مخدوش، وناجٍ مُسلَّم، ومكردس في نار جهنَّم، فإذا عبَرُوا عليه وُقفوا على قنطرةٍ بين الجنَّة والنار، فيُقضَى لبعضهم من بعض، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دُخول الجنَّة.




الجنة والنار عند المسلمين



من الإيمان باليوم الآخِر: الاعتقادُ الجازم والتصديقُ التامُّ بالجنَّة والنار، وقد عدَّه بعض العلماء الأصل السابع من أصول الإيمان.


فأهل السُّنَّة والجماعة يعتقدون:

‌أ- أنَّ الجنَّة والنار موجودتان مُعدَّتان لأهلهما ولا تفنيان، فالجنَّة رحمة الله تعالى ودارُ كرامةٍ أعدَّها لأوليائه المقرَّبين والأبرار، والنار دار عَذابه أعدَّها دار هَوانٍ لأعدائه المشركين والمنافِقين والكفَّار.


 

‌ب- وأنَّ أهلَهما لا يَمُوتون كما جاء النص فيه، يُقال لأهل كلٍّ منهما: خلودٌ ولا موت، وكما قال سبحانه عن أهل كلٍّ منهما: ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:٣٩]، وأخبَرَ أنهم منها لا يخرجون، لكن قال سبحانه: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر: 20] ، وقال تعالى عن الجنَّة: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة:٢٤].




وفي حديث الكسوف في الصحيحين: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى الجنَّة حتى كاد أنْ يتناول عنقودًا منها أو قطفًا، ورأى النار فلم يَرَ منظرًا قطُّ أفظَع منها، وفي رواية: "فلم أرَ كاليوم في الخير والشر" أخرجه البخاري برقم (1052).



‌ج- وأنَّ أهل الجنَّة في نعيمٍ أبدي مُتجدِّد؛ قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25] ، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ [النساء: 57].



وقال تعالى في نعيمِهم: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] ، وأهل النار في عَذابٍ أبدي سرمدي دائم؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 56] ، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ [الجن: 23] ، وقد ذكَر الله تعالى تأبيدَ خُلود أهل النار في ثلاث آيات من كتابه.




ثمرات الإيمان باليوم الآخر


الإيمان باليوم الآخِر له ثمراتٌ كثيرة وكبيرة، منها:

1- عِظَم الأجر وجَزالة المثوبة، فإنَّ الإيمان باليوم الآخِر من الإيمان بالغيب الذي وعَد الله أهلَه بالاهتداء وعظم الأجر والرِّزق الكريم والفلاح؛ وهو الفوز بكلِّ محبوبٍ والنجاةُ من كلِّ مرهوب في الدُّنيا والآخِرة.


2- الاجتهاد في كثْرة العمل الصالح والاستِزادة منه وفْق الشرع، رجاءَ ثقله في الموازين وعظم المثوبة عليه ورفعة الدرجات وحطِّ الخطيئات بسببه.


3- الحذَر من المعاصي والمخالفات ومُلازمة التوبة النَّصُوح من الخطيئات؛ حذَرًا من عُقوباتها في الآخِرة.


4- تسلية المؤمن عمَّا يفوتُه في الدنيا لما يرجوه من الخلف وحُسن العاقبة وجَزيل المثوبة في الأخُرى.


5- الأخْذ بأسباب حُسن الخاتمة من مُلازَمة ما يفتَح الله تعالى من أبواب العمل الصالح؛ فإنَّه يُبعَث كلُّ عبدٍ على ما مات عليه، والدعاء بحُسن الخاتمة، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101] ، والحذَر من الظُّلم والمخالفات؛ خشية أنْ يموت على خَصلةٍ منها، حذَرًا من تحقُّق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرً ﴾ [النساء: 97].


6- الاهتمام بأمْر القبر وأحوال البرزخ، بالأخْذ بأسباب الثَّبات عندَ الفتنة وما يترتَّب عليها؛ من الإخلاص لله في التوحيد، والاستقامة على الشريعة، والاتِّباع للنبيِّ ﷺ في ذلك كلِّه، والحذَر من مُوجِبات الضلال عند الامتحان، والعَذاب بعد الامتحان من الشكِّ والتقليد الأعمى والانحِراف عن القُرآن، والوقوع في البِدَعِ والشِّرك، وتجنُّب الخِصال التي صرَّحت النُّصوص بأنها من أسباب عَذاب القبر؛ كترك الصلاة، وعدم التَّنزُّه من البول، والوقوع في الغِيبة والنميمة، ونحو ذلك.


7- محبَّة ما يحبُّه الله تعالى من الأشخاص والأماكن والأقوال والأعمال والأحوال؛ لكَوْن ذلك عَوْنًا على الأعمال الصالحة وممَّا يُثاب عليه المرءُ في الآخِرة، وكراهة ما يكرَهُه الله تعالى من هذه الأمور والبُعد عنها؛ لكونها من أسباب المُخالَفة وممَّا يُعاقَب عليه المرء في الآخِرة.


8- تسلية المؤمن عمَّا يفوتُه من نعيم الدُّنيا ومَـحابِّها ومَتاعها بما يَرجُوه عند الله تعالى من عظيم نعيم الآخِرة وكثْرة ثَوابها، فهو نعيمٌ متجدِّد أبديٌّ لا ينقطع ولا ينقص ولا يتغيَّر بضدِّه.


وكتبه الشيخ

عبدالله بن صالح القصيّر رحمه الله 


لتحميل المقال PDF

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفة صلاة النبي ﷺ

 - بيان صفة الصلاة، وكيفية صلاة النبي ﷺ حسب العلم والتيسير من أجل أن الصلاة هي عمود الديانة وسر الأمانة والصلة بين العبد وبين ربه جل وعلا. وأنها واصلة من الله الله للعبد بكل خير، فما دام المصلي بين يدي ربه يصلي فإنه موصول من الله لك بأنواع من الخيرات. ولذا قال النبي ﷺ: « الصلاة خير موضوع »، يعني ميسر، والناس مستقل ومستكثر. وأخبر النبي ﷺ: « أن البر يذر علي الإنسان علي رأس الإنسان وهو يصلي »، البر هو الخير من الله جل وعلا. وأن ذنوب العبد وخطاياه توضع علي رأسه وهو يصلي فكلما هوى في الركوع والسجود والجلوس والقيام وكذا تساقطت عنه خطاياه حتي يفرغ من صلاته وقد محيت خطاياه زالت.  `

ترجمة مختصرة للشيخ عبدالله القصيّر رحمه الله

" بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فللعلماء في هذا الدين مكانة عظيمة لا تنكر، وفضل كبير لا يكاد يحصر، هم الأمناء على وحي الله، وهم أهل خشيته، وهم كما قال عنهم العلامة الآجري ”ورثةُ الأنبياء، وقُرةُ عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، هم أفضل من العبَّاد، وأعلى درجة من الزُّهاد، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يُذكِّرون الغافل، ويعلِّمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون، جميع الخلق إلى علمهم محتاج، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج ... هم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيّروا، وإذا أسْفَر عنها الظلام أبصروا“. ومما يدل على أهمية العلماء أن موتهم وفقدهم أمارة على ذهاب العلم، كما جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ «إن الله لا يقبض العلم...

خطب ذي الحجة

 ` ➊- توجيهات بشأن مهمات الحج. ➋- وصايا للناسكين من أهل الحج والاعتمار والمقيمين في الأمصار. ➌- تذكرة بشأن الأيام المعلومات والمعدودات من ذي الحجة، ومهمات من أحكام وآداب الأعياد في الإسلام. ➍- الحض إلى المبادرة لأداء نسك الحج قبل العوارض.